يهجمُ عليه الفرح وينتابه شعور بالارتياح ..وتتملّكه سعادة عارمة وهو مع حبيبته وصاحبته ( في الحرام طبعًا ) ..وهو يَجُوبُ معها شوارعَ المدينة وأحياءها ويشتري لها ما شاءت وشاء لها الهوى وبدون اعتراض أو تأفّف بل ينفقُ عليها بسخاء عجيب ...
وإذا طلبت منه أمّه المسكينةُ القابعةُ في زاوية إهماله ثمنَ دواء هي في أمسّ الحاجة إليه ، أظهر التّذمرَ والاستياءَ والغضبَ مع كلمات جارحة تنمّ عن نفسية خبيثة شَربت من كأس الضّنك والضّياع حتى ثملَت ...
ويا لها من نفوس بشرية مُنحطّة لا تستحقُ الحياة ..
كثير من الآباء والأمهات الذين يجدّون ويجتهدون من أجل لقمة عيش أبنائهم وبناتهم ، ويتكلّفون المشقة من أجل ذلك ، ولكن مصيبتهم أنّهم يكثرون الضّجيج والصّراخ والكلمات الاستفزازية والألفاظ الجارحة لأبنائهم الذين لم يشتغلوا بعدُ ، وبناتهم اللاّتي لم يتزوجن ، وفي كثير من الأحيان يكون هذا الأسلوب الجاهلي في التعامل مع الأبناء والبنات هو السّبب الرئيس في التّشرّد والضّياع والارتماء في أحضان الرّذيلة ... لأنّ الكلمات القاسية التي تنهالُ من طرف الآباء الجُهّال والأمّهات الجاهلات على الإبن العاطل أو البنت الغير المتزوجة يكون لها وَقْعٌ خطير في النّفس فلا يجِدون بدّا من الابتعاد عن هذا الواقع البغيض الذي يعيشونه ... فما قيمةُ الحياة وأنت تأكلُ لقمةً وتُلعن عليها ؟ !! ...
تنطق شواهدُ كثيرة في عالم المحبّين والعشّاق من أرباب الإثم والخطيئة أنّهم يكونون عميانا ( بصرا وبصيرة ) إبّان عشقهم وهُيامهم ، كالذي يعشق امرأة وتعشقه ، فتكذب عليه ويكذب عليها ، فيقول لها مثلا : لم أر مثلك قطّ ، أنت أنبل إنسانة عرفت في حياتي ، إنّ في قلبك رصيداً زاخراً من النبل والرّفعة والإنسانية ... وتقول له : أنت أخلاقك الفاضلة لم أر مثلها قط ، شملتني بسمو أدبك ، عواطفك الجيّاشة تجعلني أموت من أجلك يا أطيب رجل في الكون ...
ولو كانوا صادقين : لقال لها سامحيني يا امرأة فأنت ( ساقطة ) ..ولقالت له : صدّقني يا رجل فأنتَ ( فاسق ) ...
كم هي جميلة تلك الأيّام الذّاهبة التي كنّا فيها صغارًا .. لا أدري لِمَ تَذَكَّرْتُ الآن ذلك العجوزَ الطّاعنَ في السّن ( السّي المعطي ) الذي كان يجاورُ بيتنا وكان يكثر من الشّتم والسّب واللّعن لأننا كنّا نحولُ بينه وبين هدوئه ونومه وراحته بسبب ضجيجنا ولعبنا المستميت الدّائم ، وكنا نمعن في كرهه لأنّه هو الآخر كان يحولُ بيننا وبين متعتنا في اللعب بالقرب من بيوتنا وأمهاتنا ، وقد مزّق كُرَتي البلاستيكية أكثر من مرة التي كنت أجمع لها ثلاثة دراهم بمشقة الأنفس ... والآن أنا أتمنى لو أنظر إليه وأُقَبِّل رأسَه وأطلب منه السّماح والعفو ( تغمده الله برحمته ) ...
شَعَرَتْ بالإهانة والاحتقار ، وانتابها شعور طاغٍ بالهروب من واقعها البغيض ، وتملّكتها الخيبة ، ووخزها اليأس ، وقلبها الكسير يكاد يتفطّر ، والدّمعُ يُراودُ أجفانَها ، وقفت جامدةً كالتمثال صامتةً كالأموات ، متأسّفة على هذه الحياة حيثُ العذابُ والضّياعُ والهوانُ ... وهو ينهال عليها بهذه الكلمات بصوت كأنّه الرّعد ، وبطريقة كأنّه شيطان انشقّت عنه الأرض : والله لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت لما جمعني معك سقف واحد .. والله لولا ابنتي الصّغيرة لألقيت بك في الشّارع غير مأسوف عليك ، مُذ رضيتُ بك زوجةً وأنا أرتكسُ في الحضيض ...
عندما أفقدُ حاسّةَ الزّمان والمكان
تجتَاحُنِي عواصِفُ من السُّرور والحُبُور
وأجدُ السّعادَةَ تنتظرُني بفارغ الصّبر
وينتابُني شعورٌ بالمرَح والهدوء
ويهجمُ عليّ الفرحُ وأحسّه يهفو بين الحنايا كالنّسيم
وتتملّكُنِي الرّغبةُ في الابتسام والضّحك
وَتتبدّدُ الغيومُ القاتمةُ في سمائي المكفهرّة
ويَشِعُّ نورُ الحبّ بين جوانحي المضطربة
وأكاد أخرجُ من جُثتي جذلاً
وينشبُ الاطمئنانُ مخالبَه في قلبي الكسير
يَسأَلني كثيرٌ من ( المعجبين ) عن حياتي وسيرتي وشخصيتي !!
والكلام عن النّفس ثقيل جدّا كما لا يخفى ..
وَ لَقَلْعُ ضِرْسٍ وضربُ حَبْسٍ ونزعُ نفسٍ وردّ أمس أهونُ من أن يتكلّم (المؤمنُ ) عن ذاته
ويُفصحَ عن ماهيته ..
لأنّه قد يُسِيءُ إليها من حيثُ يُرِيدُ لها الإحسانَ ..
ولكن نزولا عند رغبة أحبّتي
سأستجيب لِطِلْبَتِهم
على كُرهٍ مِنّي
ولابدّ مما ليس منه بدّ ..
في صباح يوم الجمعة مشرق الأديم عنبري النّسيم ..
استيقظَ الشّيخُ الخطيبُ من نومه الهادئ الجميل ،
تاركًا وراءه أحلامَه الوردية وفراشَه الوثير ...
تناول فطورَه الشّهي الزاخر بما لذّ وطاب ..
أمر زوجه أن تهيء طعامًا فخماً لزوجاته الثلاث اللاتي سيجتمعن اليوم تحت سقف واحد ..
انطلقَ صوبَ مكتبته العامرة لتحضير خطبته لهذا اليوم ...
حضّر خطبةً رنانةً تصبّ في فضل الفقر والفقراء ، وعن القناعة والتّقشف والزهد والصّبر على ذلك ..
تحلّقُوا حولَ مائدة الغذاء التي تزخرُ بما لذّ وطاب
أنواع من الملذّات
حليبٌ وعصائر
خبز وجبن
ومشروبات متنوعة
وفاكهة ولحم مما يشتهون ..
يأكلون هنيئًا ويشربون مريئًا
يَجلسُون في غرفة واسعة
مُكيّفة لا تمتّ لحرارة يوليوز الخارجية بصلة ولا بسبب ..
لم يَدُرْ بخلدها في يوم من الأيام أنّها ستبقى رهينةً في بيت أبيها ردحاً من الزّمان ، وهي التي عُرفت بأناقتها وجمالها ( الجمال الكاذب ) ومساحقها وتبرجها السّافر وتسكّعها في الشّوارع المليئة بالفُسّاق ...
نظراتُ الإعجاب تحاصرها من كل حدب وصوب ، ممّا زادها يقينا أنّها باستطاعتها أن تتزوج في أيّ لحظة شاءت وشاء لها الهوى والغرورُ ، وبرجُل من علية القوم ومن أغنياء البلد ...جميع الحقوق محفوظة لموقع مدونة ربيع بن المدني