ظَلُّوا نَائِمِينَ رَدْحاً مَِن الزّمَانِ ، كَأَصْحَابِ كَهْفٍ فِي عَمِيقِ سُبَاتِ ، تفوحُ منهم رائِحة الفقر والضّياع والهوان والإهمال ..
استيقَظُوا فجْأةً فوجَدُوا العدُوَّ جاثِماً على صُدُورِهم ، رابِضاً في أعمَاقِ نفُوسِهم ، بجبروته ، وغطرستهِ ، وعجرفته ...
نفضَتْ إرادَتُهم غُبارَ السّنين الكئيبة السّوداء ، وصاحتْ : ( فاضربْ عَدوَّكَ بِي فأنتَ اليومَ حُرّ )
جاءَهُ يمشي باستكانةٍ وخُنُوع ، وقلبُه يدقُّ بعُنف :
_ السّلام عليكم يا ( حاج ) .
مسَحه بنظرة قاسية ، ..
_ وعليك ...
_ جِئتُكَ من أجل ...
قاطعه صارخا :
_ الحقوقُ كثيرة ، لا تَعُدْ مرّة أخرى إلى هنا .. سأرسلُ لك أجرك كلّه عندما تتيسّرُ الأمورُ ..
_ حرام عليك يا ( حاج ) لديك من الأموال ما تضيقُ به خزائِنُك ، وترفض أن تؤدي إلي حقوقي .
طرده بعدما صفعه ...
ذهب الرّجل إلى حال سبيله منكسراً ، وحاله :
ماذا أقولُ لأفراخ بذي مَرَخ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ
رُفع الأذانُ في سماء المدينة عاليا .. مسّد الحاج شاربه الفضّي بزهو وافتخارٍ ، وانطلق لا يلوي على شيء إلى المسجد ليدركَ مكانه في الصّف الأول ..وليؤديَ حقوق الله ...!!!
اسْتَسْلَمَ لخواطِرِهِ الشّارِدَة
تاهَ في بيْدَاءِ أحلامِهِ العبَثية
أسرفَ في تفكِيرِهِ المضْني
وغرقَ في بُحورِ أوهامهِ الغامضَة
علائِمُ الاضْطِرابِ والحسْرةِ والكآبةِ بَادِيَةٌ على قَسَمَاتِ وجههِ
سَحائِبُ الحزْنِ قد حجبت رؤيا أمله المنشود
وسُدُمُ الغمّ عَلَتْ سماءَ تفاؤُله الوَاهِم
يجلِسُ في غُرفته الْمُضَمّخة بعبير اليأسِ والضّيقِ والقلق
صامتاً كالأموات ، جامدًا كالتّمثال
لا يُحرّكُ ساكناً ولا يُسكّنُ مُتحرّكا
ضِقتُ صدراً بكثير من الأخلاق السّيئة التي أصبحتْ ملازمةً لكثير من المسلمين في هذا العصر ، وكلّما رأيتُ أخاً موحّداً يتحلى بصفة من هذه الصفات ويتمتّع بها في حياته اليومية ، أتمنى في قرارة نفسي أن يكونَ ذلكَ حُلماً وليس حقيقةً ، لاسيما الذي يدّعي ويرفع عقيرتَه صباحَ مساءَ أنّه على منهج الرّعيل الأول ( السّلف الصّالح ) والسّلفُ الصّالِحُ بريءٌ من هذه الأخلاق براءةَ الحقّ من الباطل :
أيّها المدّعي وصلا لليلى ...لستَ منها ولا قُلامةَ ظُفرِ
إنّما أنتَ من ليلى كواوٍ ...أُلْحِقَت في الهــجاء بعمرِ
والله المستعان .
ومن هذه الأخلاق الفاسدة التي أصبحت مشاهدةً بين صفوفنا وفي مجتمعنا خُلقٌ خبيث إذا وُجد في مجتمع من المجتمعات فإنّه يجثتُ الثّقةَ والطمأنينةَ من القلوب والأفئدة . إنّه المرضُ المزمنُ الذي يقال له ( سوءُ الظّنّ ) لا بارك الله في أصحابه وأربابِه الذين ينشرون الإشاعات والأراجيف والأكاذيب بين المسلمين ليشيعوا قالةَ السّوء في خيارهم والصّالحين منهم ، وليوغروا بها الصّدورَ .
استيقظَ قُبيل الفجر بقليل، جهّز فُطُورَه المتواضع وتناوله بسرعة .. خرجَ من كوخه المهترء لا يلوي على شيءٍ ، متّجها صوبَ السّوق لبيع أشياء بسيطة اعتاد أن يتاجر فيها ، عرض سِلعته على الأرض المغبرّة وتحت شمس يوليو الحارقة .. جلسَ على كرسيّه البلاستيكي بقرب بضاعته وهو يردّد ( توكلت على الله ) ، ( يا فتّاح يا رزّاق)... العرقُ يتصبّب بغزارة ورائحة سجارته الرديئة قد شملت الزمان والمكان .لم يُساومه أحد من السّابلة ، ضاق ذرعا وقال هذا يوم عصيب وخيّم عليه يأسٌ مُضْن ، واعتراه كثير من الهم والغم والألم ، ومرّت به ساعات أربع وهو على هذه الحال كابد من خلالها كل أنواع الشّقاء ، لسانه لا يفتر عن كلمة (( قبّح الله الفقر)) .. تميّز غيظا وحنقا ولَملمَ أشياءَه وهو يلعن ويسبّ ويشتم نفسه وأيامه وزمانه !
الحَسَدُ داءٌ عُضالٌ ومَرَضٌ فتّاك ابتُلي به كثير من النّاس ، ليسَ في هذا الزمان فحسب ، بل في سائر الأزمان ، داءٌ إذا حلّ بالقلوب فإنّه يأتي على أخضرها ويابسها ، صاحبهُ من أتعس وأبأس خلقِ الله على الإطلاق ، عذابُه مُستميت ، وتفكيره خبيث ، وعقيدتهُ هزيلة كنفسيته الأمّارة بالسّوء ، خاصمَ قضاءَ الله وقدرَه ، واتّهم الباري عزّ وجلّ في عدله ، وأساء الأدب مع الشّرع المطهّر ، وخالف الأنبياء والمرسلين وعبادَ الله الصّالحين ، وشابه إبليس اللّعين ..
هذا الحاسِدُ يتمنى في كلّ لحظة وحين زوالَ كُلّ نعمة أنعم الله بها على أحد من عباده ، لا يهدأ له بال ولا يقرّ له قرار ، فهو عدو لأناس وخصم لآخرين ، لا لشيءٍ ذي بال إلا لأنهم يتمتّعون بأشياءَ ليس له منها إلا التّمني والتّشهي والحسدُ ..
( ولله درّ الحسَد ما أعدلَه بدأ بصاحبه فقتله ) ..
والحاسدُ لا يملك دواءً ناجعاً لقلبه إلا ذلك اللسانَ السّليطَ الطويلَ الذي يسلق به المحسودَ ..كلما واتته الفرصة اهتبلَها لذمه وازدرائه واحتقاره وتنقّصه والكلام في عرضه والنّيل من كرامته ..
حَسَدُوا الفتى إذ لم ينالوا سعيَه ... فالنّاسُ أعداءٌ له وخصومُ
كضرائر الحسناء قُلن لوجهها ... حسـدًا وبغيا إنّه لذميمُ
يشتدّ بي القلقُ
ويساورني الاضطرابُ
وقلبي ينوءُ بالخيبة والشّجن
ويداهمني حزنٌ شديد الضّراوة
إزّاء شوارعنا وأزقّتنا التي تحوّلت إلى غُرف نوم وبؤر فساد ،
نساء يملئن هذه الشّوارع بملابسهنّ الفاضحة الشّفافة النّاطقة بالإغراء والفتنة والتّهتّك ،
ملابس تضفي الشّرعية على جريمة الزّنا !
ضحكات وتأوهات وغمزات وهمسات
وشعر متموّج منسدل على الأكتاف
ومساحيق دسمة ضربت بأطنابها على الوجوه
وأحمر الشّفاه يبدو كعلامة على الفسق والفجور
وروائح يفوح أريجها بدون حياء ولا استحياء ،
لسانُ حالهنّ ومقالهنّ ( هيْتَ لكَ )
يرفلنَ في ثوب الشّقاء والضّنك والعذاب
استسلمنَ لإبليس اللّعين وللنّفس الأمّارة بالسّوء وللهوى الْمُطاع
افترسهنّ الجهلُ والغباءُ والحيرة
ويحاولن عبثا أن يُبرّرن أنّ حياتهن هذه حياة التّقدّم والحضارة والرّقي ،
ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله ...وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعمُ
وأخت الجهالة أيضا يا أبا الطّيب !!
ليتَ شِعْرِي هل البيت الذي تخرجُ منه هذه الفتاة وتلك المرأة فيه رجال ؟!!
لا أكره شيئا في هذه الحياة كما أكره الوداع ( وداع من أحب ) أحسّ بنفسي تضيق في صدري ، وينتابني شعور بالقهر ، وتتملّكني كآبة خرساء ، وتصير الألوان في عيني قاتمة ، والسّماء مكفهرّة ، وتتسرّبُ الحسْرة إلى فؤادي الكسير ... تُسكب العبرات وتتصاعد التّأوهات والتّنهدات والزّفرات ، والقلب يدقّ في حزن ويأس ، وتهجرني الابتسامة ، وأصبح ساهما متجهّما ...ويتلاشى ذلك الأملُ الذي كان يلوح في أفق حياتي ، وأعيش في ليل الأسى الطّويل ، أعاني وأقاسي فراق أحبّتي ، ولا أجدُ مسوّغا للبقاء في هذه الحياة البغيضة التي فيها غرابُ البين أبدًا يَنْعِقُ ...
أرقٌ علــى أرقٍ ومثلي يأْرَقُ ... وجوًى يزيدُ وعبرةٌ تترقرقُ
جهدُ الصّبابةِ أن تكونَ كما أُرى ... عينٌ مُسهّدةٌ وقلبٌ يخْفِقُ
كلّ شيء في هذه الحياة بقضاء و قدر كما لايخفى ، فلا حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله عزّ وجل ..انطلقتُ اليومَ ( 13 شوال 1432 هـ) أنا وصديق لي على متن سيّارته من المقهى التي كنا قابعين فيها صوبَ مسجد قريب لأداء صلاة العشاء.. وبعد وصولنا للمسجد عنّ لنا أن نغيّر وجهتنا لمسجد آخر ، وفعلا اتّجهنا إلى جامع صغير بأحد الأحياء الهامشية ، فوجدنا الإمام (وهو شاب في مقتبل العمر) يقرأ بصوت نديّ قوله تعالى { قل أأنبّئكم بالأخسرين أعمالا ...} فأسرعنا ودخلنا مع الجماعة بعدما تركنا نِعَالَنَا أمام الباب الدّاخلي للجامع ...فأدّينا صلاتنا بخشوع والحمد لله لأنّ ترتيلات الإمام الحزينة قد أعانتنا على ذلك ...عند خروجنا بحثت عن نَعْلِي ( وهي من النّوع الممتاز صنع أوربي ! ) التي اشتريتها حديثًا فلم أجد لها أثراً ، فعلمتُ أنّ أحد لصوص الجوامع قد كان ينتظرُ بفارغ الصّبرمغفّلا مثلي ليجعل من نعله وجبةَ عشاء دسمة ، أو يقتني بثمنها قنينة خمر تنسيه الضّياعَ والتّشرد والحياة البائسة التي يحيا تحت ظلالها بل وينسى أيضا خطورة وصعوبة مواقفه الحرجة ، والتي من ضمنها انتهاك حرمات بيوت الله ، والاعتداء على حقوق الغير في غير رفق ولا رحمة ...
ثمّ استأذنتُ الإمامَ في أخذ نعل بلاستيكي من نعال المسجد الخاصّة بالمتوضئين ووعدته بإرجاعها له غداً ، فأذن لي وعلى وجهه أثر التّأسف لأنّني سُرقت في مسجده ...
وتستمرّ الحياة ..
أسأل الله أن يَمُنّ على هؤلاء اللّصوص بالهداية ...
رأيتُ فيما يرى النّائِمُ : أنّ شابّاً أديبًا في مُقتبل العمر كان يتنزّهُ في بعض الأماكن الخالية من بني البشر ، يُمتّعُ النّفسَ بهواء نقيٍّ وجوٍّ سمح طليق ينطق بالهدوء الذي يتمنّاهُ كلّ صاحب فطرة سوية من خلق الله .. سماءٌ صافية وشمسٌ ألقتْ بأشعتها السّحرية على الرّبوع بسخاء لا مثيلَ له وخضرة رائعة بين الجبال تسرّ المتنزّهين.. وصاحبنا الشّاب تعلو شفتيه ابتسامةٌ هادئة لعلّها أكبرُ شاهد أنّ قلبَه يرقصُ طربًا وجذلاً وهو في أحضان هذه اللّحظات الممتعة التي لا يجودُ بها الزّمانُ إلا قليلاً ..اعترض سبيلَ خواطِرِه وأحاسيسِه سرورٌ مظفّر لم يستطع معه صبرًا ، وهو يحسّ برغبة جامحة تُجَاه قراءةِ قصيدةٍ رائعة من عيون الشّعر العربي الحديث ..فاندفع مُردّدا مع إليا أبي ماضي قصيدتَه المشهورة :
أيّهذا الشّاكي ومــا بك داءُ ... كيفَ تغدو إذا غدوتَ عليلا ؟
إنّ شرّ الْجُنَاةِ في الأرضِ نفـسٌ ... تتوقَّى ، قبل الرّحيلِ ، الرحيلا
وترَى الشّوكَ في الورود ، وتَعمى ... أن ترى فوقَها النّدى إكليلا
هُــوَ عِبءٌ على الحياة ثقيلٌ ... من يظنّ الحياةَ عبئاً ثَقِــيلا
والذي نفسُه بغير جــمال ... لا يرى في الوجود شيئا جميلا
أحكمُ النّاس في الحياة أناسٌ ... علّلُــوها فأحسَنُوا التّعليلاجميع الحقوق محفوظة لموقع مدونة ربيع بن المدني